فخر الدين الرازي

336

المطالب العالية من العلم الإلهي

كثيرا ، تعرض لهم شدة من الحر والبرد ، فلا جرم صارت ألوانهم متوسطة ، ومقادير أجسامهم معتدلة ، وأخلاقهم حسنة ، كأهل « الصين » و « الترك » و « خراسان » و « العراق » و « فارس » و « الشام » ثم هؤلاء من كان منهم أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم « 1 » ، لقربه من منطقة « البروج » و « ممر الكواكب المتحيرة » وتكون حركاتهم أليق بحركات الكواكب في السرعة والخفة . ومن كان منهم أميل إلى ناحية المشرق ، فهو أقوى نفسا وأشد تذكيرا ، لأن المشرق يمين الفلك ، لأن الكواكب منه تطلع ، والأنوار من جانبه تظهر ، واليمين أقوى . ومن كان إلى ناحية المغرب فهو ألين نفسا وأشد تأنسا ، وأكثر كتمانا للأمور . لأن هذه الناحية منسوبة إلى « القمر » ومن شأن « القمر » [ أن يكون « 2 » ] ظهوره بعد الكتمان . وأما القسم الثالث من أهل الأرض : فهم الذين مساكنهم محاذية لبنات نعش . وهم « الصقالبة « 3 » » و « الروس » فإنهم لكثرة بعدهم عن ممر « البروج » وحرارة « الشمس » صار البرد عليهم أبرد « 4 » ، والرطوبة الفصلية أكثر . لأنه ليس هناك من الحر ما ينشفها وينضجها ، فلذلك صارت ألوانهم بيضاء ، وشعورهم سبطة شقرة ، وأبدانهم عظيمة رخصة ، وطبائعهم مائلة إلى البرد ، وأخلاقهم وحشية . واعلم : أن كل واحد من هذين الطرفين . وهما الإقليم الأول والسابع ، فإنه يقل فيه العمران ، وتنقطع بعض العمارات عن بعض ، لغلبة الكيفيتين الفاعلتين ، ثم لا تزال العمارة في الإقليم الثاني والسادس والثالث والخامس تزداد ويقل الخراب فيه وأما الإقليم الرابع فإنه متواصل العمارات ، ويقل الخراب فيه .

--> ( 1 ) المؤلف يرحمه اللّه تعالى برحمته الواسعة من الريّ . ( 2 ) من ( ت ) ( 3 ) يقال : إن الروس من ولد يافث ، والعرب من ولد سام ، والأفارقة من ولد حام بن نوح عليه السلام . ونسي القائلون بهذا القول : أنه خرج مع نوح عليه السلام من السفينة : جماعة من المؤمنين ، صار لهم في الأرض نسل بعد الطوفان . ( 4 ) أغلب ( ت )